ابن عجيبة
111
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
تعالى ، ويطلب الزلفى عنده بالإيمان والطاعة ، حسبما أدعوكم إليهما . فصوّر ذلك بصورة الأجر ؛ من حيث إنه مقصود الإتيان به ، واستثناه منه ؛ قطعا لشائبة الطمع ، وإظهارا لغاية الشفقة عليهم ، حيث جعل ذلك ، مع كون نفعه عائدا إليهم ، عائدا إليه صلى اللّه عليه وسلم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : العلماء بالله خلفاء الرسل ، فما أظهرهم اللّه في كل زمان إلا ليذكروا الناس ويعظوهم ، ويبشروهم وينذروهم ، من غير عوض ولا طمع ، فإن تعلقت همتهم بشئ من عرض الدنيا ؛ من أيدي الناس ، كسف ذلك نورهم ، وانتقص نفعهم ، وقلّ الاهتداء على أيديهم ، وقد تقدم هذا مرارا . وبالله التوفيق . ثم أمر نبيه بالتوكل ، ليغيب عن خيرهم وشرهم ، وعن طلب الأجر منهم ، فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 58 إلى 60 ] وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً ( 58 ) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ( 59 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً ( 60 ) يقول الحق جل جلاله : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ في الاستكفاء عن شرورهم ، والاغتناء عن أجورهم ، أي : ثق به ؛ فإنه يكفيك عن الطمع فيمن يموت ، فلا تطلب على تبليغك من مخلوق أجرا ، فإن اللّه كافيك . قرأها بعض الصالحين فقال : لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق . وَسَبِّحْ أي : ونزهه أن يكل إلى غيره من توكّل عليه ، بِحَمْدِهِ أي : بتوفيقه الذي يوجب الحمد ، أو : قل سبحان اللّه وبحمده ، أو : نزهه عن صفات النقصان ، مثنيا عليه بنعوت الكمال ، طالبا لمزيد الإنعام ، وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً أي : كفى اللّه خبيرا بذنوب عباده ، ما ظهر منها وما بطن ، يعنى : أنه خبير بأحوالهم ، كاف في جزاء أعمالهم الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي : في مدة مقدارها [ ستة أيام ] « 1 » ؛ إذ لم يكن ليل ولا نهار . وعن مجاهد : أولها يوم الأحد ، وآخرها يوم الجمعة ، وإنما خلقها في هذه المدة ، وهو قادر على خلقها في لحظة ، تعليما لخلقه الرفق والتثبت . ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ استواء يليق به ، الرَّحْمنُ أي : هو الرحمن ، أو : فاعل استوى ، أي : استوى الرحمن برحمانيته على العرش وما احتوى عليه . وراجع ما تقدم في الأعراف . « 2 » فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً
--> ( 1 ) زيادة ليست في الأصول . ( 2 ) راجع : تفسير الآية 54 من سورة الأعراف ( 2 / 223 - 225 ) .